LOADING

Type to search

أخبار مختارات التحرير

كورونا ذلك السجن الكبير

Share

لم يحدث في تاريخ البشرية الحديث بأن مرّ بتغيرات جماعية جذرية في أنحاء وقارات العالم كما حدث عند اجتياح جائحة كورونا التي قلبت الحياة رأساً على عقب وغيرت المفاهيم والعادات المتداولة بين البشر.

نام الناس في عالم واستيقظوا عى عالم مختلف.

لم تقتصر تداعيات الجائحة على الناحية الصحية بل شملت نواحي أخرى عديدة منها:

النواحي النفسية، البيئية، الاقتصادية، الأمنية، الإجتماعية، الأسرية، والعائلية، السياسية، التعليمية، الدينية، النقل والسفر، الترفيهية والرياضية، الثقافية والأدبية، الأخلاقية والتربوية، القوانين والأنظمة، الغذائية والتقنية.

خلّف إنتشار الوباء فراغاً كبيراً في الحياة العامة.

فقدت المعالم والأثار جمالها ورونقها.

ضاعت من الطبيعة روعتها وبهجتها.

ذابت الأحاديث والمعاني بين الشفاه، إنعدم الإحساس بأغاني وألحان مكررة غابت البسمة ولغة العيون في الوجوه، أقفلت المدارس والجهات الرسمية والمراكز والمصانع والأسواق.

دور العبادة خلت من روادها وممارسة الشعائر الدينية فيها.

هُجرت الشوارع والحدائق والأماكن العامة من مرتاديها وخلت مدارج الملاعب من جماهيرها وأصبح تعامل الناس بين بعضهم البعض يتمّ بحذر شديد، إرتدوا الأقنعة واستخدموا جميع أنواع المعقمّات والمطهرات وجميع وسائل الوقاية ووضعوا الحواجز الزجاجية بين بعضهم وتباعدت المسافات بينهم وإمتنعوا عن السلام والقبل والزيارات ومكثوا في منازلهم بطواعية خوفاً من وباء كورونا وعاشوا في رعب. وأضحى الإنسان يفكر كيف يأمن على نفسه إن خرج من بيته خوفاً من مرض ان أصيب به لعدم إيجاد طبيب ماهر وعلاج فعّال وسرير في مستشفى.

سيطر الهاتف على التواصل الإجتماعي بإمتياز، خسر الكثير أعمالهم ووظائفهم نتيجة تقلّص معظم النشاطات الإنتاجية.

حُظر التنقل في الشوارع ومنع السفر بين المدن والدول وأصبحت المطارات حظيرة للطائرات ومحطات النقل موقفاً للقطارات وتراكمت السفن في المواني.

تحولت طرق التعامل التجاري الى أجهزة الحاسب الآلي بالإنترنت ومن خلال وسائل التواصل الإجتماعي التي تدار من المنازل ويتّم تأمين متطلبات الأسر والمنازل من الأسواق بنظام التوصيل.

أرغم طلبة المدارس والجامعات بتلقي العلم في المنازل عن طريق التواصل الإلكتروني وبذلك حرموا من التلاقي بزملائهم ومزاولة اي نشاطات إجتماعية او رياضية وترفيهية… أحدث ذلك تغييراً بسلوك الجيل الجديد.

أعاد التلفاز مجده وأصبح سيد الموقف والمتحكم بحياة الأسرة، أقفلت الحانات والملاهي والمقاهي ودور السينما ابوابها وتوقفت إقامة الحفلات والمؤتمرات والمعارض وتقلص النشاط الأسري والزواج والأفراح والمناسبات الاجتماعية إلى مستوى منخفض جداً وحتى الموتى يدفنوا دون وداع ولا عزاء من الأهل والأصدقاء والأحباب.

أحدثت جائحة كورونا فراغاً هائلاً في حياة البشر، كان من الصعب إشغاله بمشاهدة التلفاز أو من خلال القراءة فقط او اي وسائل منزلية اخرى. تقلّصت السياحة وخلت معظم الفنادق من زوارها، بينما شغرت جميع أسرَة المستشفيات بالمرضى وإمتلأت المقابر بضحايا الفيروس.

فُرض الحجر لأسابيع للقادمين الجدد من خارج البلاد أو المخالطين للمصابين وانخفضت حركة الشراء وتكدست البضائع في الأسواق وأقفلت المصانع العالمية ابوابها وخفض التجار أسعارهم الى مستويات متدنية ثم أقفلوا بعد ذلك محلاتهم بما فيها أشهر العلامات التجارية وأرقى المواقع والمدن وبلغ الأمر ذروته بوضع السواتر الحديدية والإقفال التام للواجهات وأضحت أماكن للأشباح ومنظراً مقززاً بدلاً من المشاهد والعروض الجمالية التي كانت تتباهى بها.

توقف السفر للخارج حتى لمجرد قضاء المصالح أو العلاج أو التعليم أو حتى لقاء الأحبة والأهل، هبطت أسعار البورصة والأسهم والتعاملات المالية كما تدنت قيمة صادرات الدول الأساسية مثل البترول والمعادن والعملات وانخفضت قيمة العقارات واي استثمارات بصفة عامة، شُلّت الحركة التجارية وسرح رجال الأعمال جزء كبير من عمالتهم وتحفظوا على مواردهم المالية في البنوك في انتظار ما تؤول اليه الأوضاع، خسر الكثير من الناس مدخراتهم وانحسرت وتيرة الصرف وأصبح البشر اكثر حرصاً على الإستهلاك في معيشتهم لعدم وجود مصادر دخل اخرى او بدائل للمساعدة. إزدادت حالات الفقر لحزمة كبيرة لعدم إمكانية توفر ابسط وسائل العيش الكريمة مع إرتفاع الأسعار وحلّ الجوع بالبعض مما أدى الى تذمرهم وانتشار الفوضى والشغب والتخريب والإعتداء على الأملاك والسرقات بينما استغلّ البعض الجائحة للحصول على مكاسب مالية كبيرة وإستغلال الظرف في إثراء غير مشروع.

نظراً لتفاقم الأوضاع دبّ الرعب في نفوس المواطنين وهاجر بعضهم الى أماكن اخرى واستبد القلق في قلوب المسؤولين لعدم قدرتهم على تجاوز الأحداث وإحتواء الأزمات وإضطرارهم لإتخاذ قرارات أمنية وإقتصادية قاسية وفرض غرامات مالية كبيرة على المواطنين وتطبيق إجراأت صارمة وأكثر حزماً مما زاد الفجوة بين الشعب والسلطة وتذمرهم وتفاقمت الأزمة والمعاناة.

أتخذت بعض السلطات في بعض الدول جائحة كورونا فزاعة للشعوب وأصدر قانون طوارئ وتسويق كلمة أمن كعذر لفرض أنظمة أو قوانين إستبدادية مجحفة جديدة والحد من تحركات المجتمع أو منع سفرهم او تطبيق وإتخاذ إجراأت وتدابير وقائية واحترازية و عن وضع كورونا وغيرها والتعامل عن بعد مع المواطنين وعدم مقابلة الجماهير ووضع حواجز للتخلص من إزعاج البشر بغرض حمايتهم من كورونا مع تقليص أيام وساعات العمل للجهات الرسمية حتى أصبح معظم العاملين في هذه الأجهزة في إجازة طويلة مدفوعة الراتب أو جزء منها.

أصبحت جميع الأماكن في كل الدول سواسية فالحظر واحد والإجراءات الإحترازية واحدة وأجبروا على تقبل الأمر الواقع.

من منظور اخر اصبح الناس جميعاً في حالة رعب وذعر شديد من العدوى وحجزوا أنفسهم داخل قوقعة ومنظومة سجن كبير تبدأ من عدم مغادرة المنزل ومقابلة الأحبة والأصدقاء والتقبيل والمصافحة وإستخدام الأقنعة والمعقمات والحدّ من التجوال الى حظر السفر داخلياً وخارجياً وعدم التمتع بالطبيعة في الأماكن العامة والشعور بالأمان والغريب بالأمر بأن حظر السفر يخص ومحصور على المواطنين ولا يشمل المقيمين والزوار مما يدعو للدهشة والتساؤل.

احدث هذا التباعد بين الناس جفوة نفسية, لا التزامات عائلية ولا مجاملات, قلّت البهجة وضاقت الدنيا وفُقد الاحساس بطعم الحياة وظهرت عادات جديدة بينهم.

أضحى السلام والعناق أسلحة ممنوعة

اصبح الأكل والشراب لا ذوق ولا طعم له.

أصبح المال والجمال والمنصب والسلاح والقوة بشتى أنواعها أسماء لا قيمة لها.

ضاع الأمن والأمان وانعدمت الثقة المتبادلة وسُلبت الحريات.

العالم لم يتغير ولكنه اصبح سجناً كبيراً والبشر ضيوف مؤقتين في هذه الحياة تعرضوا لمؤامرة عالمية.

آثروا الصمت كمداً في انتظار فرصة للرحيل في عهد الخوف والقلق.

يصارع الجميع من أجل الحصول على أوكسجين نقي للتنفس.

متى ينتهي كل ذلك ويخرج الناس من هذا السجن الكبير ويعودوا لممارسة حياتهم الطبيعية السابقة والإستمتاع بأوقاتهم دون خوف أو قيود وإلا ما فائدة وقيمة هذه الحياة.

وكل الخوف ان يعتاد الناس هذه الحياة والاستمرار في الانغلاق الطوعي على أنفسهم في هذا السجن الكبير فلو انتهت جائحة كورونا وسمح للبشر بالسفر والتنقل بأمان فإن غالبية الاشخاص الذين اعتادوا السفر سوف يترددوا في اعادة مزاولة نشاطهم السابق ويفضلوا البقاء في اماكنهم فإلى اين يرحلوا ومن اي شيئ يهربوا فالاوضاع متشابهة في كل دول العالم وتداعيات السجن الكبير لا زالت تحيط بهم من كل جانب صحياً ونفسياً واقتصادياً وأمنياً… فكلما كان الفراق والبعد مرعباً فإن اللقاء مع الأخرين يصبح موجعاً فلا يستطيع اي انسان ان يهرب من قدره إلا لقدره.

الدكتور أحمد عبدلله عاشور

أكاديمي وباحث سعودي

1 Comment

  1. أ.د. السيد حسن نوفمبر 28, 2020

    شكرا لصوت الدانوب لنشر مقال الدكتور احمد عبد الله عاشور الباحث السعودي ، المقال رائع في تلخيص الاثار السلبيه لجائحة الكورونا وتأثيرها علي العالم بأسره وكأنها حرب شعواء بين الفيروس والبشرية جمعاء ، حرب غير عاديه لان المعتدي عليهم لا يعرفون اين عدوهم ؟ فتره قاسيه في حياه كل إنسان عاش وفلت من الموت او اختاره الله الي جواره ، وفعلا ان يفلت إنسان من هذا المرض والموت به يعتبر إنسان محظوظا ،وكثير من كبار السن للاسف يعيشون في بيوتهم كسجن بإرادتهم ولا يقابلون أحد حتي اولادهم ، والاتصال من بعد ! ياله من رعب في نفوس الكثيرين من الناس ، وهنا يجيء السؤال من المتسبب في ذلك ؟ اري حاليا لا احد يبحث في هذا الموضوع وان جميع الباحثين ابرياء ، والكل ينتظر التطعيم او الدواء ! هل تلك هي الانسانيه الان وفِي القرن الواحد والعشرون ؟الي اين تتجه الانسانيه ؟

    رد

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *