LOADING

Type to search

أخبار ثقافة

احتفاء ثقافي بميلاد الشاعر محمود درويش

Share

تذكرت الأوساط الثقافية العربية في 13 مارس وفي لجة أخبار فيروس كورونا أن تحتفي بالشاعر الراحل محمود درويش كون هذا التاريخ يجسد يوم ميلاده عام 1941.

الدانوب الأزرق تشارك في هذه الإحتفالية عبر إيراد بعض ماكتب عن الشاعر الراحل الذي حمل مسار أدبه قضية إنسانية وروح جماعية اضافة الى بعض الصور الخاصة بمتحف الشاعر الراحل في مدينة رام الله. 

فقد كان المفكر الفلسطيني أدوار سعيد يرى أن درويش كان الكاتب الحريص والمعلّم الماهر، درويش شاعر أدائي من طراز رفيع، ومن نمط لا نجد له في الغرب سوى عدد محدود من النظائر. وهو يمتلك أسلوباً ناريّاً، لكنّه أيضاً أسلوب أليف على نحو غريب، مصمّم لإحداث استجابة فورية عند جمهور حيّ. قلّة قليلة من الشعراء الغربيين من أمثال ييتس Yeats وولكوت Walcott وغنزبرغ Ginsberg امتلكوا ذلك المزيج النادر الآسر الذي يجمع بين الأسلوب السحري التعويذي الموجّه للجماعة، وبين المشاعر الذاتية العميقة المصاغة بلغة أخّاذة لا تُقاوم. ودرويش، مثل أقرانه الغربيين القلّة، فنّان تقني مدهش يستخدم التراث العروضي العربي الفنّي والفريد بطرق تجديدية وجديدة على الدوام. ذلك يتيح له أن ينجز أمراً بالغ النُّدرة في الشعر العربي الحديث: براعة أسلوبية فائقة وفذّة، ممتزجة بحسّ بالعبارة الشعرية يجعلها أشبه بالمنحوتة بإزميل، بسيطة في نهاية الأمر لأنها بالغة الصفاء.

لم يكن درويش سقفاً لأحلامنا الشعريَّة المتعثِّرة ولا لتجاربنا الفجَّة كما زعمت وجهات نظر نقدية عديدة، بل كان سماءً زرقاء مفتوحة على رفرفاتنا الهشَّة ورؤانا الضوئيّة، وسهلاً أخضر تركض فيه أنهارنا العارية. على الرغم من قراءتي لتجارب شعريَّة لا حصر لها، لا أزال مفتوناً بلغته الصافية وبطريقته السحريَّة في صوغ عبارته الآسرة المنحوتة بإتقانٍ بالغ والمنتفضة كفراشة تتأهَّب للذوبان في معركة الضوء.

 

بطاقة هوية محمود درويش الصادرة عن سلطة الاحتلال
تذكرة سفر محمود درويش الأخيره الى هيوستن
جواز سفر محمود درويش
لافتة ميدان محمود درويش في باريس

ولقد وقفنا على بعض الأراء النقدية حول الشاعر نورد بعضها: 

الإختلافُ على شاعر بحجم درويش لم يكن إلاَّ ليلِّمع أسطورته الشخصيّة كشاعرٍ مثيرٍ للجدل وكصاحب مدرسة شعريَّة لها أصداءٌ عميقةٌ في تجارب شعراء لا يحصون، ولها أثرٌ لا يزال يتشظَّى في أصواتهم.

أتخيَّل جيل السبعينات كلَّه وهو ينظر بغيرةٍ إلى هذا الأمير الجليلي الذي شاءت الأقدار أن يتربّع على هرم الشعرِ العربي، على حدِّ تعبير الشاعر السوري نزار قبَّاني، في وجود قامات شعريَّة عالية حينذاك.

إستطاعت قصيدة درويش أن تصنع من حديدٍ تافهٍ قمراً على حد كلامه في الـ”جدارية”، واستطاعت أيضاً أن تعيد إلينا الثقة بالشعر الجميل المكتوب بعناية والمضمَّخ بعبير البرتقال وعطر الحبق الجليلي.

أدينُ لصديقي القديم الذي فتح عينيَّ على عوالم درويش الساحرة عندما قال لي ذات مساء: ألم تقرأ لشاعر يُدعى محمود درويش؟ دع شوقي ومطران والشعر القديم جانباً، سأعطيكَ أحد دواوينه الأخيرة وأظنه كان ديوان “أرى ما أريد”، أريد رأيكَ بعد القراءة، هذا شاعرٌ فيه من السيَّاب ونزار قباني ولوركا ونيرودا والمتنبي.

على الرغم من وجود قصائد عربيَّة مدهشة كقصيدة “المومس العمياء” للسيَّاب أو قصيدة “الوقت” للشاعر السوري أدونيس ومطوَّلات الشاعرين العراقيين حسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف، وكلُّها تصلح كنماذج عالية المستوى والجودة في مدوَّنة شعرنا الحديث، إلا أنَّ “الجدارية” تتفوّق في نظري فنِّياً وشعريَّاً على ما سواها من حيث الأسلوب الأنيق والدلالات العميقة والصور المبتكرة:

“هذا هُوَ اسمُكَ

قالتِ امرأةٌ،

وغابتْ في مَمَرِّ بياضها.

هذا هُوَ اسمُكَ ، فاحفظ اسْمَكَ جَيِّداً!

لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ

ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ،

كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقِيِّ

جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى

ودَرِّبْهُ على النُطْق الصحيح برفقة الغرباء

واكتُبْهُ على إحدى صخور الكهفِ”.

سيمرّ وقتٌ طويل وقصائدُ كثيرةٌ ونظريَّاتٌ نقديَّةٌ لا تسمن ولا تغني من جوع حتى نحظى بشاعرٍ من طرازٍ فريد كدرويش، ذلك الذي جعل من روحه قيثارةً سمويّةً لوجعنا الإنساني.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *